فصل: تفسير الآية رقم (54):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآيات (50- 52):

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)}
{وَمُصَدِّقًا} عطف على قوله ورسولا {لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُم ْبَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} من اللحوم والشحوم، وقال أبو عبيدة: أراد بالبعض الكل يعني: كل الذي حرم عليكم، وقد يذكر البعض ويراد به الكل كقول لبيد:
تَرَّاَكُ أَمْكِنةٍ إذا لم أَرْضَهَا ** أو تَرْتَبِطْ بعضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يعني: كل النفوس.
قوله تعالى: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني ما ذكر من الآيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}.
قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُم الْكُفْرَ} أي وجد قاله الفراء، وقال أبو عبيدة: عرف، وقال مقاتل: رأى {مِنْهُم الْكُفْرَ} وأرادوا قتله استنصر عليهم و{قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} قال السدي: كان سبب ذلك أن عيسى عليه السلام لما بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة نفته بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فنزل في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما، وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوما مهتمًا حزينًا فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها مريم: ما شأن زوجك أراه كئيبا، قالت: لا تسأليني، قالت: أخبريني لعل الله يفرج كربته، قالت: إن لنا ملكا يجعل على كل رجل منا يومًا أن يطعمه وجنوده ويسقيهم الخمر فإن لم يفعل عاقبه، واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة، قالت: فقولي له لا يهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفى ذلك، فقالت مريم لعيسى عليه السلام في ذلك، فقال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر، قالت: فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، قال عيسى عليه السلام فقولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماًء ثم أعلمني ففعل ذلك، فدعا الله تعالى عيسى عليه السلام، فتحول ماء القدور مرقًا ولحمًا وماء الخوابي خمرًا لم ير الناس مثله قط فلما جاء الملك أكل فلما شرب الخمر قال: من أين هذا الخمر قال: من أرض كذا، قال الملك فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه قال: هي من أرض أخرى، فلما خلط على الملك واشتد عليه قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله فجعل الماء خمرًا وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه، فقال: إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرا ليستجاب له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى فكلمه في ذلك فقال عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر، فقال الملك: لا أبالي أليس أراه قال عيسى: إن أحييته تتركوني وأمي نذهب حيث نشاء، قال: نعم فدعا الله فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح، وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكل أبوه فاقتتلوا فذهب عيسى وأمه فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك قال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس، قالوا: ومن أنت قال: أنا عيسى بن مريم عبد الله ورسوله من أنصاري إلى الله فآمنوا به وانطلقوا معه.
قوله تعالى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} قال السدي وابن جريج: مع الله تعالى تقول العرب: الذود إلى الذود أبل أي مع الذود وكما قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [2- النساء] أي مع أموالكم. وقال الحسن وأبو عبيدة: إلى بمعنى في أي من أعواني في الله أي في ذات الله وسبيله، وقيل إلى في موضعه معناه من يضم نصرته إلى نصرة الله لي واختلفوا في الحواريين قال مجاهد والسدي: كانوا صيادين يصطادون السمك سموا حواريين لبياض ثيابهم، وقيل: كانوا ملاحين. وقال الحسن: كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي يبيضونها. وقال عطاء: سلمت مريم عيسى عليه السلام إلى أعمال شتى فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر، فقال لعيسى: إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب الناس مختلفة الألوان، وقد أعلمت على كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغًا منها وقت قدومي، وخرج فطبخ عيسى جبًا واحدًا على لون واحد وأدخل جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أريد منك، فقدم الحواري والثياب كلها في الجب، فقال: ما فعلت؟ فقال: فرغت منها، قال: أين هي؟ قال: في الجب، قال: كلها، قال: نعم قال: لقد أفسدت تلك الثياب فقال: قم فانظر، فأخرج عيسى ثوبا أحمر، وثوبا أصفر، وثوبا أخضر، إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواري يتعجب فعلم أن ذلك من الله، فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن به هو وأصحابه فهم الحواريون، وقال الضحاك: سموا حواريين لصفاء قلوبهم وقال ابن المبارك: سموا به لما عليهم من أثر العبادة ونورها، وأصل الحور عند العرب شدة البياض، يقال: رجل أحور وامرأة حوراء أي شديدة بياض العين، وقال الكلبي وعكرمة: الحواريون هم الأصفياء وهم كانوا أصفياء عيسى عليه السلام، وكانوا اثني عشر رجلا قال روح بن القاسم: سألت قتادة عن الحواريين قال: هم الذين يصلح لهم الخلافة، وعنه أنه قال: الحواريون هم الوزراء، وقال الحسن: الحواريون الأنصار، والحواري الناصر، والحواري في كلام العرب خاصة الرجل الذي يستعين به فيما ينوبه.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا سفيان، أخبرنا محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي حواريًا وحواريي الزبير».
قال سفيان الحواري الناصر، قال معمر: قال قتادة: إن الحواريين كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين.
{قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْن أَنْصَار اللَّهِ} أعوان دين الله ورسوله {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ} يا عيسى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.

.تفسير الآية رقم (53):

{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)}
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} من كتابك {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} عيسى {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق. وقال عطاء: مع النبيين لأن كل نبي شاهد أمته.
قال ابن عباس رضي الله عنهما مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم يشهدون للرسل بالبلاغ.

.تفسير الآية رقم (54):

{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)}
قوله تعالى: {وَمَكَرُوا} يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر وبروا في قتل عيسى عليه السلام، وذلك أن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به فذلك مكرهم، قال الله تعالى: {وَمَكَرَ اللَّه وَاللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ} فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [182- الأعراف] وقال الزجاج: مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته كقوله تعالى: {الله يستهزئ بهم} [15- البقرة] {وهو خادعهم} [142- النساء] ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام حتى قتل.
قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عيسى استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، وقذفوه وأمه فلما سمع ذلك عيسى عليه السلام دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير. فلما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام، وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها روزنة فرفعه الله إلى السماء من تلك الروزنة، فأمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له: ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله، فلما دخل لم ير عيسى، فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، فلما خرج ظنوا أنه عيسى عليه السلام فقتلوه وصلبوه، قال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل، ونصبوا خشبة ليصلبوه، فأظلمت الأرض، فأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، فجمع عيسى الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه. ولما دخل البيت ألقى الله عليه شبه عيسى، فرفع عيسى وأخذ الذي دلهم علي فقال: أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه، وهم يظنون أنه عيسى، فلما صلب شبه عيسى، جاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى عليه السلام فقال لهما: علام تبكيان؟ إن الله تعالى قد رفعني ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام: اهبط على مريم المجدلانية اسم موضع في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن حزنها ثم ليجتمع لك الحواريون فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز وجل فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورًا، فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله عز وجل إليه وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون حدَّث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه وَاللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ}.
وقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى في بيت وعشرة من الحواريين فدخل عليهم رجل منهم فألقى الله عليه شبهه، وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول، فقال رجل من القوم: أنا يا نبي الله فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى عليه السلام ورفعه إليه وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش، وكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا، قال أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى ببيت لحم من أرض أوري شلم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل فأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين، وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين.

.تفسير الآية رقم (55):

{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)}
{إِذْ قَالَ اللَّه يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} اختلفوا في بعض التوفي هاهنا، قال الحسن والكلبي وابن جريج: إني قابضك ورافعك في الدنيا إليِّ من غير موت، يدل عليه قوله تعالى: {فلما توفيتني} [117- المائدة] أي قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد موته، فعلى هذا للتوفي تأويلان، أحدهما: إني رافعك إلي وافيًا لم ينالوا منك شيئا، من قولهم توفيت كذا واستوفيته إذا أخذته تامًا والآخر: أني مستلمك من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته، وقال الربيع بن أنس: المراد بالتوفي النوم وكل ذي عين نائم وكان عيسى قد نام فرفعه الله نائما إلى السماء، معناه: أني منومك ورافعك إلي كما قال الله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} [60- الأنعام] أي ينيمكم.
وقال بعضهم: المراد بالتوفي الموت، روى عن علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه: أني مميتك يدل عليه قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت} [11- السجدة] فعلى هذا له تأويلان: أحدهما ما قاله وهب: توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه الله إليه، وقال محمد بن إسحاق: إن النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه، والآخر ما قاله الضحاك وجماعة: إن في هذه الآية تقديمًا وتأخيرًا معناه أني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السماء.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عادلا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد».
ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى عليه السلام قال: «وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون».
وقيل للحسين بن الفضل هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال نعم: {وَكَهْلا} ولم يكتهل في الدنيا وإنما معناه وكهلا بعد نزوله من السماء.
قوله تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم {وَجَاعِل الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} قال قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي: هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهو فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين بالعزة والمنعة والحجة، وقال الضحاك: يعني الحواريين فوق الذين كفروا، وقيل: هم أهل الروم، وقيل: أراد بهم النصارى فهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، فإن اليهود قد ذهب ملكهم، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة، فعلى هذا يكون الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} في الآخرة {فَأَحْكُم بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين وأمر عيسى.